الغزالي

270

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

قالا لي : انطلق انطلق . فانطلقنا على روضة معتمة - أي طويلة النبات من أعتم إذا طال - فيها كل نور الربيع - وإذا بين ظهراني الروضة رجل طوال لا أكاد أرى رأسه طولا في السماء ، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم . قال : قلت : ما هذا ما هؤلاء ؟ قالا لي : انطلق انطلق . فانطلقنا فأتينا على دوحة عظيمة لم أر دوحة قط أعظم ، ولا أحسن منها ، قالا لي : ارق فيها . فارتقينا فيها إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة ، فأتينا باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا ، فدخلنا فتلقانا رجال ، شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء ، وشطر منهم كأقبح ما أنت راء قالا لهم : اذهبوا فقعوا في ذلك النهر . قال : إذا النهر معترض يجري كأن ماءه المحض - أي الخالص في البياض - فذهبوا فوقعوا ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة ، قالا لي : هذه جنة عدن ، وهذا منزلك . قال : فسما - أي ارتفع بصري - صعدا بضمتين - إلى فوق . فإذا قصر مثل الربابة - أي السحابة البيضاء - قال : قالا لي : هذا منزلك . قال : قلت لهما : بارك اللّه فيكما . فذراني فأدخله . قالا : أما الآن فلا . وأنت داخله . قال : قلت لهما : فإني رأيت منذ الليلة عجبا . فما هذا الذي رأيت ؟ قالا لي : إنا سنخبرك : أما الرجل الأول والذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر ، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة . وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقة إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه ، فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق . وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور ، فإنهم الزناة والزواني . وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجر ، فإنه آكل الربا . وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحثها ويسعى حولها ، فإن مالك خازن النار . وأما الرجل الطويل الذي في الروضة ، فإنه إبراهيم . وأما الولدان الذين حوله فكل